wa3d3pic

المقالات--> سياسية-->المقاومة


المقاومة التي أرخت رؤية جديدة للأمة /2009-08-13


بقلم سماحة العلامة الشيخ عفيف النابلسي

ميزة الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان صيف2006 والانتصار الذي حققته المقاومة فيها, أنها أرّخت لرؤية جديدة, لأمة لم تعش الرؤية منذ زمن طويل. بل كانت تجدد انفعالاتها ومشاعرها إزاء الأشياء والأحداث من دون أن تعي من أين تبدأ وكيف تسير وإلى أين تصير. بمعنى آخر أن أمتنا لم تقرأ وتستفد من الماضي, ولا تصالحت معرفياً وأخلاقياً مع الحاضر, ولا اهتدت إلى حواضر المستقبل, بل بقيت تسير من دون هدى على ايقاع العجز والتخبط إلى جهة غير معلومة.
جاءت الحرب, وجاء الانتصار ليقدم منظوراً رؤيوياً للأمة, يستند إلى قوة الايمان والوعي والأمل. تبدت الصورة واضحة كعين الشمس. الانتصار كأنّه تمرد على القلق والخوف والتردد. لا استيلاد للهزائم والعزاءات, بل قيامة ولو في ذروة اليأس والتخاذل, وإضاءة ولو كان الاعتام عاماً وشديداً.
لا عودة للتخفي وراء الظلال, ولا للغرق في بحر الاحباطات, وإمّحاء أمام جبروت العدو. الأمة تخترم حضورها بمستوى ايمانها وإرادتها ووعيها ومعرفتها الطريق الموصولة إلى النصر. الأمة التي لا تسوغ الهرب والخضوع, وتستطيع أن تقتحم حصون العدو وترد كيده إلى نحره.
فلسفة الحرب الإسرائيلية على لبنان صيف 2006 معروفة على وجه الضبط. المبالغة في الاجرام, والمزيد المزيد من الدماء حتى يصير الوهم الموجود في التلمود حقيقة. فإسرائيل لا يمكن أن تغادر ميدان الدم ومواصلة العنف وإلا تكون قد انقلبت على عقيدتها. وكان المطلوب الغاء المقاومة والبيئة الحاضنة لها إلغاء كلياً, يتزامن ذلك مع تجزئة أوصال الأمة جغرافياً. ولكن المشروع كان يصطدم باستحالات ومصدّات تمنع حركة الاستكبار العالمية المتحالفة مع الصهاينة من أن تنفذ مخططاتها. وبينما معظم المراهنين يتوقعون نتائج باهرة للعدو الإسرائيلي في معركته مع المقاومة, يتولد منها شرق أوسط جديد تقوم فلسفته على دويلات اتنية وطائفية وقومية هائمة ومتصارعة. وإذ بالنتائج تجيء خارج إطار الفهم ومراتبه. خصوصاً أنّ مستوى الافراط بالقوة وصل إلى أرقام وأحجام قياسية غير مسبوقة يمكن أن تهزم جيوشاً متعددة في وقت واحد. وهذا حقاً يفرض الانتباه لما استوت عليه نتائج الحرب التي احتملت الكثير من الروايات المتسللة والمشوشة والتي اختفت وراءها مواقف سياسية أو مواقف تاريخية بغية القول أن المقاومة لم تنتصر بل جرّت على لبنان وشعبه الويلات والدمار والخراب.
كان صعباً على كثيرين في لبنان وبلاد العرب أن يستوعبوا أن المقاومة يمكن أن تحقق منجزاً عجز الكل عن تحقيقه. وكان صعباً على كثيرين أيضاً أن يتقبلوا عجز الآلة العسكرية الإسرائيلية عن بلوغ أهدافها.
فيما كان المتصور أن تنعى المقاومة نفسها وتستسلم وأن تتلطى أو تغور في رمال هزائم العرب المتكررة, وتفتح الباب على مصراعيه لقدوم المولود الجديد المسمى بالأوسط الكبير تجسيداً لنبوءة الاستكبار وأصحاب التلمود. إلا أن المقاومة المؤمنة بربها والواثقة من نفسها لم تكن ضنينة بأية تضحيات, وكانت تعد شعبها والأمة بالانتصار الموعود. الانتصار الذي رفع يد العالم المستكبر عن عنق المقاومة.
كان هذا جزءً من مشهد الحرب, لكن المشهد الأقسى كان ما جرى داخل الساحة اللبنانية, الأرض السياسية الطرية والزئبقية والمتهافتة, حيث يكاد المرء يجد صعوبة في فهم ما يجري داخلها من سياسات قصيرة النظر, وطافحة الانفعالات والاثارات والتحولات السريعة. ما يدفع للاعتقاد أن الوطن أوطان, وأن الشعب شعوب, وأن الهوية هويات, وأن لكل طائفة ولكل جماعة مفهوماً خاصاً عن السيادة والوطنية والاستقلال, وأننا لا نملك مؤسسات للدولة بل مؤسسات للطائفة وللإشخاص. وأننا لا نملك مصالح للوطن والدولة, بل مصالح خاصة تتبع الطوائف والزعماء. وأننا لا نعرف في قواميسنا معنى الوحدة الوطنية لا في الأفراح ولا في الأتراح. وبالطبع فإن هذا الواقع الاجتماعي والوجداني والطائفي المخيف, لا يمكن إلا أن يُوقع اللبنانيين فريسة الالتباس والاشتباه بين مفردات الحق والباطل, وسيجعلهم يجدون أن الحق طلاسم وألغاز, وأن الباطل طلاسم وألغاز, إلا من أعطاه الله صفاء البصيرة ونقاء السريرة, يستطيع معهما أن يميّز, فيرى المقاومة ضد الغاصب والمحتل والمجرم حقاً. ويرى اسرائيل ممثلة الفساد والشر في هذا العالم باطلاً.
في الواقع, ليس هذا من باب نكئ الجراح واستعادة الماضي الأليم. ولكن لا يمكن أن يتطور وينمو ويزدهر ويتوحد المجتمع اللبناني إن بقي هناك خلط في المفاهيم إلى هذا الحد, لا يمكن للبنان أن يكون موئل الحرية والفكر المستنير ومنبر العدل والحق في هذا العالم إن اختلطت المعايير بين الحق والباطل, بين المقاومة والمعتدي إلى هذا الحد.
نعم, الانتصار في حرب تموز يستدعي الانتباه لهذه الحقائق المرة. ولكنه يبقى انتصاراً للبنان والعرب والمسلمين وكل الأحرار, يبقى انتصاراً للتاريخ والمستقبل. المستقبل الذي لا يُبنى إلا بالقوة والحق, إلا بالعلم والايمان وما ينتظرنا كأمة كبير فلنراكم على هذا النصر لنجني ما هو أعظم.

جريدة اللواء, العدد 12656, السنة:47, الصفحة: 11, تاريخ: 12-8-2009 الموافق له: 21 شعبان 1430هـ

 


                    


sendta3likat
 

أرسل تعليقك

 

إسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
عنوان التعليق:

عدد الأحرف:
التعليق

  • نرجو الإختصار والإفادة في التعليق.

إحصائيات الموقع

عدد زوار الموقع :
إبتداءً من تاريخ :22-09-2008
العدد :26236 زائر

دعوة لصديق

 إسمك :

 بريد صديقك :

خُطب الجمعة

المواقف العامة

اللقاءات الصحفية

النشاطات السياسية

المحاضرات

الحوزة العلمية

جمعية الأبرار الخيرية

نشاطات اجتماعية

مجمع السيدة الزهراء ـ ع ـ

السيرة الذاتية

النشاطات الدينية

المعرض

المكتبة المرئية
     -خطب جمعة
     -استقبالات
     -مقابلات
     -مواقف سياسية
     -مناسبات إسلامية
     -محاضرات

المكتبة الصوتية
    -خطب الجمعة

المقالات

     -متفرقات
     - سياسية
     - دينية
     -ثقافية

الكتب

     -دينية
     -أدبية

إستفتاءات

ألبوم الصور

الحقوق لـ Nabolsi.Net , تصميم وبرمجة EarlyHost International