 |
wa3d3pic
|
المقالات-->ثقافية-->ثقافة اسلامية |
|
|
|
الديمقراطية تأكل نفسها /2009-12-04
|
|
بقلم سماحة آية الله العلامة الشيخ عفيف النابلسي كشف الاستفتاء الأخير حول حظر المآذن في سويسرا، والذي تقدم به أحد الأحزاب اليمينية المتطرفة، عن دلالات دينية وسياسية عديدة: أولاً في الجانب الديني، تبرز الصورة المشوّهة التي يرسمها الغرب تجاه الإسلام، وتظهيره كدين يقف ندّاً مقابل الأديان الأخرى، وذلك بفعل تزايد عدد المنتمين إليه، ولا يعود الفضل في ذلك بسبب جاذبية الإسلام فحسب، بل إن الهجوم الذي مارسه الغرب على بعض الحركات الإسلامية جعلت من الدين الإسلامي محط اهتمام كبير في مختلف أرجاء العالم. كذلك فإن عملية حظر المآذن في سويسرا، وما سبقها من إهانات وإساءات لمشاعر المسلمين ـ ولم تكن آخرها الرسومات الكاريكاتورية التي صدرت في الدانمارك وغيرها من البلدان الأوروبية ـ استعادت الطروحات التي بدأت منذ عقد حول صراع الحضارات والثقافات. فالمشروع الغربي الاستعماري يستكمل سيطرته على العالم الإسلامي بذرائع مختلفة، تبدأ من الجانب الديني، في عملية تأجيج لهذا الصراع، وتنتهي في الجانب السياسي في عملية سيطرة وإحكام على الشعوب إلا أن هجوم الغرب لم يكن ليستكمل لولا بعض الممارسات من بعض الحركات الإسلامية أو بعض المجموعات التي تزعم انتماءها للإسلام والتي جُعلت وقوداً للحرب الدينية التي يمارسها الغرب عموماً تجاه المسلمين. في الوقت ذاته كشف التعصب الأعمى لدى بعض الجهات الغربية عن أن التسامح الديني لا يأخذ مجراه في القضايا الدينية، وأن التطرف الديني الغربي لهو أشدّ عنفاً ـ في بعض الأحيان ـ من التطرف الديني الإسلامي، ذلك أن البيئة الغربية، تدعي الحفاظ على المقدسات والمشاعر التي تختص بالديانات الأخرى، وتهاجم الشرق الإسلامي بديماغوجيته وتطرفه تجاه الأديان الأخرى؛ غير أن ما يحدث اليوم من قمع واضطهاد حتى لبعض الأشكال الدينية الإسلامية ـ والتي لا تمتّ بصلة مباشرة بمفهوم الدين ـ، قد أظهرت مدى سخافة الاتهامات، ومدى ضحالة الادعاءات، من بني الديمقراطية. كذلك، فإن عملية الاستفتاء التي تمت في سويسرا تكشف عم مدى انسياق الرأي العام بالتحريضات الدينية والتشويهات التي مارستها الاحزاب اليمينية المتطرفة، ويدلّ أيضاً على غياب الوعي، والمعرفة الدقيقة، والفكر الموضوعي لدى الشارع السويسري تجاه الدين الإسلامي، ومن ثم عدم تمييزه بين ممارسات بعض الجماعات الدينية الاسلامية ـ وهي بلا شك مخطئة ـ وبين الإسلام كدين حضاري شامل يشترك مع الأديان الأخرى بنُظم مفاهيمية وقيمية عالية. وليس من الغريب أن الشارع السويسري والغربي عموماً لم يلحظ خطورة هذا الموقف، إذ أنّ الاتجاه العنصري والتعصب الديني، لا يتجه صوب الإسلام والمسلمين فحسب، بل قد يطال حتى الأديان والتيارات الدينية داخل البيئة الأوروبية، فالتطرف لديه لغة واحدة تجاه الجميع؛ وهي نبذ الآخر، والتعامل معه بدونية واحتقار، وهذا ما لاحظناه في شعارات الحزب اليميني المتطرف في سويسرا تجاه المهاجرين. إن هذا التطرف الديني سوف يزيد من تأجج الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب، وهو لا يخدم الحضارتين، بل يزيد العالم عنفاً وتوتراً، وبالتالي فإنّ الهيكل الحضاري الغربي سوف يسقط على أبنائه قبل سقوطه على الآخرين. ثانياً في الجانب السياسي يمكن الحديث عن أنّ الجالية الإسلامية في أوروبا أصبحت تشكل عبئاً على الدول الغربية، فهي في ازدياد مستمر، حتى ولو تكن في سويسرا بهذا الحجم إذ يقرب عدد المسلمين من 400 ألف نسمة فقط. إلا أن ظاهرة تكاثر المسلمين في سويسرا، وفي أوروبا يشكلان عند هذه الأحزاب والجماعات المتطرفة "خطراً" على الوطن والشعب؛ وإن التوزيع الديمغرافي قد ينقلب على سكانها الأصليين ويصبحون أغلبية خلال أقل من عقدين من السنوات، وهذا ما عبر عن البعض من أن المسلمين "سيدمرون ثقافتنا وحضارتنا ومجتمعنا المسيحي النظيف المميز". كل ذلك يلتقي مع الاحتشادات الأوروبية الأخرى المضادة للإسلام في فرنسا وألمانيا والدانمارك وهولندا ..إلخ، والدفع بمقولة "الإسلاموفوبيا" لتعم القارة الأوروبية كلها وبلدان الغرب كله. إن الأزمة التي يشهدها الغرب عموماً تكشف عن مدى فشل النظام الديمقراطي في استيعاب الأفكار والتيارات المعارضة له، ويكشف أيضاً عن أن مفهوم الديمقراطية هو مفهوم واحد أيضاً وله بيئة محددة وأناس محددون؛ ما يعني أن التأسيس الغربي لهذه المقولة يحتاج إلى إعادة نظر، وبناء مفهوم جديد للتعايش بين أبناء الجنس الواحد.
صحيفة الثبات عدد 92 –الجمعة 4 كانون الاول 2009 الموافق 17 ذي الحجة 1430هـ
|
|
|
 |
|
|
|
 |