wa3d3pic

المقالات-->ثقافية-->فكر سياسي


في ذكرى الشهيد السيد محمد باقر الصدر /2010-02-18


ليس من باب الالتزام العاطفي والوشيجة الشعورية, أن أقول عن أستاذنا الشهيد السيد محمد باقر الصدر إنه كان يمثل عقل الإسلام وترجمانه في زمانه القصير الذي عاش. ولكن ما قادني إلى هذا الموقف هو تأملي الدؤوب في آثاره العلمية المكينة الجذور, وفي سيرته الشخصية وحياته السياسية والجهادية التي واكبتُ شطراً منها معايناً مشاعره الإنسانية الفياضة, وروحانيته السامية, وكمالاته وملكاته المتعددة الأبعاد, وهمومه وتباريحه التي أحاطت بواقع الإسلام والمسلمين آخذة بتلابيب فكره وسويداء قلبه. ولو لم تكن الشروط التاريخية التي عاشها الشهيد الصدر هي شروط صراع مع نظام سعى لهدم الكيان الإسلامي في العراق لتوفرنا على أعمال باهرة في مختلف المجالات والموضوعات. ولكن يد الإجرام خطفته من بيننا وهو في ذروة تجربته وقمة عطائه. أول ما يمكن أن يلاحظه الباحث في مسيرة الشهيد العلمية أنه خط لنفسه مساراً تباين فيه مع أساتذته ومجايليه في الحوزة العلمية , ويعود ذلك إلى طبيعة الإطار المعرفي الذي تعمّدَ الشهيد الصدر أن يشاغل ويساهم فيه, خصوصاً أن الزمن الذي عاش فيه كان زمن حركات فلسفية واجتماعية وثورية ناهضة, نشأت في كنفها أفكار جديدة وترتب على وجودها أحوال جديدة اجتاحت وهيمنت على واقع الأمة الإسلامية كلها. من داخل الحوزة وبيئتها وترابها لا من خارجها, بدأ يؤصل موضوعات العلم ويجذر مسائل الفقه ويهذب المطالب, ويحوّل ذلك إلى عمل منظم في التعبير العلمي الممنهج حتى يجري منسجماً مع مقتضيات ومتطلبات الحياة المعاصرة التي تحفل بالتعقيد والتساؤلات الكثيرة. فإذا بنا أمام توسع مذهل في عملية التفكير والاجتهاد طالت منظومات الفقه والأصول والفلسفة وغيرها من العلوم, ثم اتجهت العملية للبحث في مستويات المعالجة وأساليب تناول المسائل ما أحدث تحولا كبيرا وعميقاً في واقع الحوزة ككل. وفي جهد متوازٍ وظّف الشهيد الصدر نباهته وعبقريته لا للرد على الاطروحات الغربية المادية فحسب, بل لتظهير ميراث الاسلام العظيم في ميادين الفلسفة والاقتصاد والاجتماع والسياسة في أعرض المعاني وأقوى المباني وأدقها, ما جعل حضوره الفكري يتجاوز حدود الحوزة التي أنقذها من عوامل الوهن والجمود وأثبت قدرتها على الرد والابداع والمبادرة وصياغة المفاهيم وطرح البدائل الاسلامية. بإزاء هذا البذل المعرفي, سعى الشهيد الصدر لإحداث حركة وعي ونهوض داخل الحوزة وفي صفوف المسلمين الشيعة حيث كان يتطلع لدور أكبر تلعبه الحوزة التي كان يعتقد بعضهم داخلها أنه يمكن تفادي أخطار النظام البعثي بالأخلاقية الشكلية وإدارة العجز ولكنه كان يُصر على المواجهة المفتوحة ولو أدى ذلك إلى تضحيات جسيمة, فأفتى بحرمة الانتماء إلى حزب البعث من دون أن يخاف من السلطة التي تحداها بموقفه الرافض لحزبها وعقائدها. فقد كان مدركاً لأبعاد ومتغيرات الواقع الاجتماعي والسياسي داخل العراق بعد تسلط صدام حسين على الحكم, ولم يكن شخصٌ في تلك المناخات المعقدة والظروف التاريخية الضاغطة أقدر منه على معاينة حالة التردي التي بات الشعب العراقي يرزح تحتها, ولم يكن أقدر منه على تشخيص الموقف وتحديده وفهم المعطيات السياسية الميدانية, لذلك لم يكن ليحاذر في فتواه لأن المسألة لا تتعلق ببراءة ذمة مكلف مكره, للانتماء إلى حزب البعث أمام الله, وإنما للآثار الخطيرة التي ستنتج على صعيد الواقع . نفسياً واجتماعياً واقتصادياً ودينياً و التي ستجعل الشعب العراقي بأسره يعيش أجواء كابوسية وتحت هاجس الخوف الدائم. لذلك كان يسعى لئلا يتحول الانتساب إلى البعث أمراً طبيعياً لا حرج فيه, لايرى فيه العراقيون أي ضير أو منكر. بل اراده أن يرتطم بشتى أنواع المنع والتحريم حتى لا تتخذه السلطة معبراً لتهديم الدين والقيم, وللسيطرة على المجتمع وفرض فكرها عليه بالحديد والنار. في هذا المسار المحتدم دخلت المواجهة الساسية بين الشهيد والنظام البعثي في مرحلة جديدة إذ عمد النظام إلى القول إن حركة الإعتراض التي يقوم بها السيد محمد باقر الصدر إنما تتأسس على خلفية مذهبية. وبدا واضحاً أن النظام تقصّد اختيار هذا الطريق الاكثر خبثاً لتبرئة ساحته من الجرائم التي يرتكبها ولتحصين سلطته ونفوذه ولإفشال أي مخطط يعده الصدر على الصعيد الشعبي . رد الشهيد بأن المحنة الناتجة من هذا النظام هي محنة كل الشعب العراقي, وأن الموقف الجهادي والرد البطولي والتلاحم النضالي على ممارسات النظام الوحشية والبشعة يجب أن يكون واقع الشعب العراقي كله) . ولعل أكثر الأمور فرادة وأكثرها دلالة تلك المتعلقة بمقاربة الشهيد الصدر للمسألة الطائفية في العراق. ففي أدبياته من الوضوح والجرأة والمباشرة ما لا تجده عند غيره من مراجع الشيعة, بل أكاد أجزم أن ما وصل إليه في بيانه الثالث الذي وجهه للشعب العراقي أثناء ما عرف بفترة المحنة , ما وصل إليه مرجع شيعي آخر , حيث ارتقى في خطابه إلى أعلى مراتب التجرد الفكري والعاطفي وعبر عن موقف هو نتاج الايمان الخالص والعقل المستنير والوجدان النقي, قائلاً: "وإني منذ عرفت وجودي ومسؤوليتي في هذه الأمة بذلت هذا الوجود من أجل الشيعي والسني على السواء. ومن أجل العربي والكردي على السواء. حين دافعت عن الرسالة التي توحدهم جميعاً. وعن العقيدة التي تضمهم جميعاً, ولم أعش بفكري وكياني إلا للإسلام طريق الخلاص وهدف الجميع. فأنا معك يا أخي وولدي السني بقدر ما أنا معك يا أخي وولدي الشيعي, أنا معكما بقدر ما أنتما مع الإسلام وبقدر ما تحملون من هذا المشعل العظيم لإنقاذ العراق من كابوس التسلط والذل والاضطهاد. إن الطاغوت وأولياءَه يحاولون أن يوحوا إلى أبنائنا البررة من السنة أن المسألة مسألة شيعة وسُنّة... وأريد أن أقولها لكم يا أبناء علي والحسين وأبناء أبي بكر وعمر إن المعركة ليست بين الشيعة والحكم السني. إن الحكم السني الذي مثله الخلفاء الراشدون والذي كان يقوم على اساس الإسلام والعدل حمل علي السيف للدفاع عنه. إن الحكم الواقع اليوم ليس حكماً سنياً وإن كانت الفئة المتسلطة تنتسب تاريخياً إلى التسنن... بل يعني حكم أبي بكر وعمر الذي تحداه طواغيت الحكم في العراق في كل تصرفاته. فهم ينتهكون حرمة الاسلام وحرمة علي وعمر معاً في كل يوم وفي كل خطوة من خطواتهم الاجرامية." إن هذا النص الذي لا يسع المقام لنقله بتمامه والصادر عن شخص يُقر جميع العلماء دون استثناء بعبقريته وفقاهته وإخلاصه لمذهبه , يضعنا أمام تجليات جديدة متصاعدة في فهم وتفسير الأحداث التاريخية وسلوك شخصياتها الأساسية, ويشركنا في وعيها بغية النظر إلى الحاضر بأفق أوسع مما نحن فيه. وبالتالي فإنه يؤسس لمعايير قيمية جسورة في مقاربة الخطاب المذهبي والطائفي ويتناول دور الفرد والجماعة في عملية حفظ الاسلام من الفئات الظالمة والمتسلطة. إن هذا الجانب الذي ذكرناه يضيء على مفصل من مفاصل حياة الشهيد الصدر في الميدان السياسي داخل العراق. ولكنه يُومي بنظرنا إلى شيئين هامين ما زالت نتائجهما السلبية ممتدة حتى الآن. الأول: عدم مواكبة الشعب العراقي للشهيد الصدر في طروحاته وتطلعاته وما نبَّه له من العواقب الوخيمة إن استمر النظام في حكمه. والثاني: الاضطراب الكبير في الواقع الحزبي الشيعي الذي بذل الشهيد الصدر جهداً لبنائه وترشيده كي يكون قادراً على الاضطلاع بدور فاعل على كل الساحة السياسية العراقية وفي التعامل مع قضايا الأمة بهمومها وضغوطها وتساؤلاتها العميقة. وعلى ما يبدو فإن عجز الشعب والنخب في الالتفاف حول قيادة الشهيد الصدر, وتمزق التجربة الحزبية الشيعية التي كان من الممكن أن نكون أكثر تماسكاً واكتمالاً, هو الذي فوت على العراقيين والأمة بناء عراق حر كريم تغمره عدالة الاسلام وتسوده كرامة الانسان, وما نشاهده في عراق اليوم من احتلال وتمزق واحتراب, إنما يستمد وقوده من تلك الأيام الخاليات , ومن السقوط في تجربة الوحدة الوطنية, ومن حالة التردد والتحفظ إزاء مبادرات التغيير والإصلاح, ومن بناء دولة وثيقة الصلة بغائية التواريث الوطنية والإسلامية التي وضع أسسها المفكر الكبير محمد باقر الصدر.

 جريدة السفير ص:19 , الخميس 18 شباط 2010 عدد 11521 سنة36


                    


sendta3likat
 

أرسل تعليقك

 

إسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
عنوان التعليق:

عدد الأحرف:
التعليق

  • نرجو الإختصار والإفادة في التعليق.

إحصائيات الموقع

عدد زوار الموقع :
إبتداءً من تاريخ :22-09-2008
العدد :26237 زائر

دعوة لصديق

 إسمك :

 بريد صديقك :

خُطب الجمعة

المواقف العامة

اللقاءات الصحفية

النشاطات السياسية

المحاضرات

الحوزة العلمية

جمعية الأبرار الخيرية

نشاطات اجتماعية

مجمع السيدة الزهراء ـ ع ـ

السيرة الذاتية

النشاطات الدينية

المعرض

المكتبة المرئية
     -خطب جمعة
     -استقبالات
     -مقابلات
     -مواقف سياسية
     -مناسبات إسلامية
     -محاضرات

المكتبة الصوتية
    -خطب الجمعة

المقالات

     -متفرقات
     - سياسية
     - دينية
     -ثقافية

الكتب

     -دينية
     -أدبية

إستفتاءات

ألبوم الصور

الحقوق لـ Nabolsi.Net , تصميم وبرمجة EarlyHost International